يتأكد يوما بعد يوم لمتتبعي الحراك الحضاري وتجليات مسار العولمة خلال مطلع هذا القرن أن الموجة التي تطبع العالم اليوم موجة قيم وأنه مهما قيل عن ثورة التكنولوجيا سابقا أن ثورة التسلح النووي أو حتى ثورة الاتصال والمعلوماتية، مهما قيل عن التغيرات التي أحدثتها هذه القضايا إلا أن الثورة الحقيقية التي تبرز للعيان هي ثورة القيم، سواء كما عبر عنها بعض الإستشراقيين منذ سنوات بمقاربات واستقراءات مباشرة أو حتى فيما عبر عنها البعض الآخر ولو بنظرة تجزئيية على خط مصطلحات صراع الحضارات، حوار الحضارات، نهاية التاريخ... الخ.
إن موجة القيم اليوم يدركها كل الشعوب على اختلاف ثقافاتها ومنطلقاتها العقائدية وخصوصياتها الاجتماعية وخلفياتها التاريخية، سواء كانت هذه الشعوب متشائمة من إفرازات العولمة أو متفائلة بمعطياتها ولعل معركة القيم بدأت تعطي معايير جديدة لموازين القوى فإذا كانت موجة التسلح جعلت العالم معسكرين شرقي وغربي كما جعلت موجة التكنولوجيا والاقتصاد من العالم قسمين شمالي وجنوبي فإن موجة القيم التي نعيش حالتها المتنامية اليوم لم يعد ربان سفينتها المخبري وراء ماكنته، أوالعسكري المفترس بدبابته ولكن صار مقود المعركة بيد كل الشعوب الحية التواقة إلى فضاء الحق والخير والجمال والسعادة البشرية للعالم أجمع.
إن موجة القيم بدأت تعطي تباشير نهوض عملاقنا الإسلامي المتحامل عليه والمسلوب الإرادة من القائمين عليه، بدأت ملامح هذه الموجة تبين أن العالم ليس محصورا في ثنائية أبدية شرق/غرب، شمال/جنوب، وإنما هذه المرة بدأت الأنظار تركز حول مركز العالم بين الشرق والغرب بين الشمال والجنوب أعني منطقة العالم الإسلامي، ولعل الحساسية المفرطة من الغرب تجاه المسلمين جعلت ردود فعل المنتمين للثقافة الغربية أسرع من فعل المسلمين أنفسهم وهم الذين لم ينعموا برخاء إقتصادي كامل ولاحرية سياسية مقبولة ولا تحرير لأوطانهم، ولعل الإساءات المثيرة والمتكررة والمسيئة لنبينا صلى الله عليه وسلم ولأقصانا ولأمتنا خير دليل على قلق بعض التيارات الغربية وخوفها من أن موجة القيم إذا تحققت ليست مبشر خير لهم باكتساب معاركهم مع الشعوب التي ضلوا يستعمرونها في ظل التفوق التكنولوجي والعسكري والاقتصادي لكن من ناحية أخرى نعترف أن ثمة ثغرة لا زالت بارزة في جدار ثقافتنا الإعلامية تتمثل في واقعنا الإجتماعي الذي بدأت تغزوه الآفات من كل جانب وهناك ثغرات أخرى في خطابنا الإسلامي الذي يميل للوعظية أكثر من الحكمية وقرآننا الكريم يوجهنا إلى اعتماد الحكمة قبل الموعظة {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.
ثمة ثغرة أخرى تتعلق بتسرع بعض دعاتنا الإسلاميين في المبادرة بمحاورة أصحاب الأديان الأخرى باجتهادات فردية في عصر لا مجال فيه لأي عمل غير مؤسسي، فإذا كانت نرجسية بعض الإسلاميين تدفع أصحابها إلى الاعتقاد بأن المشاريع الحضارية يمكن أن تصدر من خطاب حماسي وتنفذ بجهد فردي وتأتي نتيجتها في لحظة وجيزة فهذا تفكير من شأنه أن يفوت فرص استثمار طاقاتنا التي تزخر بها الساحة الإسلامية، ويحرم الكفاءات والقدرات الكامنة من متعة التفكير الواعي والتخطيط المنهجي والتشبيك الاجتماعي بين الهيئات والمنظمات والمؤسسات حتى يحصل التناغم اللازم.
ولعل بوادر تطور بدأت معالمها تتضح يمكن أن تبشر بالخير إذا ما استمر العمل واعتمدت الحكمة في التعامل مع الاستفزازات التي تعتمدها بعض الدوائر الغربية نتيجة النموذج الذي أوجده عندنا وأرادوا أن يعطوا للعالم صورة هذا النموذج الدخيل على أنه فكر الأمة الإسلامية وحقيقتها إن التطرف والإرهاب رغم أنه حالة استثنائية و هامشية في أمتنا إلا أن المنظار الغربي المكبر لعيوبها بترسانته الإعلامية قد يجعل من جهودنا المؤسسية والفردية مجرد ردود أفعال لهذا التزييف ونشغل عن المبادرة والمشروع.
لعل مؤسسات إسلامية عديدة وجمعيات اجتماعية وتربوية وثقافية بدأت تدرك خطورة ذلك، نتمنى أن يفقه جميع العاملين لخير الأمة أن مساحات واسعة لا تزال في حكم المتاح والمباح سواء للمثقفين أو للدعاة أو للجمعيات والهيئات التي تنشد خير الأمة والإنسانية جمعاء ولعل حالات الأسى والألم التي لم تغادر فيها ربوع بلادنا إن في حقوق الإنسان أو الظلم أو التداول الديمقراطي أو الفساد الاقتصادي وحتى السياسي في الكثير من بلداننا لعل هذه الحالات وغيرها لا تثني عزيمة من فقه قول الله تعالى { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً. إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً }المزمل 6/7.
فنحن بحاجة أن ندرك أهمية ناشئة الليل الطبيعي كما ينبغي أن ندرك ليل الأمة ونهارها المرتقب وما يتطلبه من إعداد واستعداد.