الأمم الحية تُجدِّد ذاتها عند الإحساس بالخطر: تستنطق تاريخها كلما رُزيت أو أُصيبت، وتراجع فكرها إن هي تعثرت أو هُزمت، تُدقق في المواقف التي تُتخذ إذا أُهينت في محفل، أو أصابت صورتَها خدوش تُشوِّش، أو ندوب تُشوِّه.
والأمم التي تُخدِّرها انتصارات ولّت، أو يحبسها غرور عائلٍ يستكبر: قد يُفرض عليها التراجع إن لم تُراجِع، قد تُضطرُّ إلى المضائق، إن لم تسلك المسار البيِّن، الاجتهاد في أوقات العافية يختلف عن فتاوى الضرورة، ونصوص الكتاب و السنة لا يمكن لغِرٍّ أو دعيّ أن يفهمها، فضلا عن أن يحتكر رأيا عليلا يلوِّح به، كما لا يسوغ لِمأزوم بِداءٍ أن يُسوِّق علاجا بها، و قد آن الأوان لنظرة في السيرة أن ترقى إلى عظمة السائر، تتلمس أثرا حانيا، يؤوب به آيس، أو تستلهم موقفا مبدعا ينقذ غارقا في الضلالة، أو يحسم ترددا لمحتاط، يلوذ به عاجز عن قرار.
إن المجتمع الذي يتردد خطوه بين الاحتياط والاضطرار قد يرفع الحرج عن نفسه، لكنه لا يرسم صورة تُغري، فضلا عن أن يصنع مثالا يُحتذى!
وخلود النصوص يتحقق باجتهاد مُبصرٍ يترسم المقاصد و الحِكم، و إنفاذٍ سلسٍ يتجنّب الإعنات والإحراج، و لئن كان الجمع بين الفقه والحديث مطلبا أو أمنية في عصور تصرّمت، فإن إيجاد العالم الداعية- في واقع تتعقّد مشاكله على قدر تسارع خطوه-يغدو أكثر إلحاحا، و السيرة التي يحتكر النظر فيها محدث تستغرقه الأسانيد، لا يُرجى أن تُحقِّق التمثّل الأمثل، ولا أن تُبين عن المكارم والفضائل، في بعدها الإنساني أفقها الكوني.
هذا الملحظ الأخير هو الذي يجعل من الحوار بين البشر فريضة، تقتضيها قيم الحرية و العدل والمساواة، قبل أن يكون ضرورة، تستدعيها معاني التحضر و التمدّن، و المتعصِّب لدين أو فكرة أو عِرق يضيق بنفسه، قبل أن تضيق الدنيا في عينيه، و هذا هو الذي يعجز عن التعبير عن فطرته السوية، فأنّى له أن يوقِّع عن رب رحيم، هو أرحم بالبشر جميعا من الأم بولدها؟!
لا مناص لمن ينتسب لهذا الدين، و لمن ينتصب لتمثيله و الدعوة إليه: من أن يتربى على خلاله وتعاليمه، بشمول يتبدّى في أفكاره و مبادئه، وتوازن لا تختلّ به نفسيته ولا تصرفاته، وسماحة مزاج لا يخرج بها عن طور اعتدال مبتغى، وسطية تنبئ عنه وتميِّزه.