بعد عشرين سنة من الغياب يعود إلى الجزائر "ملتقى الفكر الإسلامي" الذي نظمته جمعية الإرشاد والإصلاح يومي: 09/10 ربيع الأول 1429هـ الموافق لـ: 17/18 مارس 2008 م، بفندق الأوراسي بالجزائر العاصمة، حضر وشارك فيه ثلة من العلماء والدعاة والمفكرين من مختلف أقطار العالم الإسلامي: من الجزائر، موريتانيا، تونس، مصر، الكويت، السعودية، فلسطين، سوريا، وتركيا.
كان موضوع الملتقى: " دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم بين حكمة العلماء وموعظة المرشدين "، أما محاوره الأساسية فكانت أربعة وُزّعت على جلسات هذا الملتقى :
1. هل سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى دراسة حديثة على ضوء الواقع ؟
2. الحوار بين الأديان واجب ديني أم ضرورة حضارية ؟
3. تربيتنا الروحية بين الثقافة والممارسة.
4. أحكام الدين بين فقه العلماء وخطاب المرشدين.
وفي كلمة افتتاحية أُلقيت بالنيابة، دعا رئيس الجمهورية: السيد عبد العزيز بوتفليقة؛ الشباب إلى الاعتزاز بدينه والتخلي عن فكرة العيش في أوطان الآخرين، مشيرًا إلى أنّ الكثير من أمراضنا وآفاتنا الاجتماعية يمكن أن نجد لها المنهج الوقائي والعلاج الناجح إذا نهلنا من المعين الصافي المتمثل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما دعا إلى ضرورة إبراز المعاني الصحيحة والمقاصد ذات الأولوية في شريعتنا الغرّاء، معتبرًا أن المرحلة التي تمر بها الأمة "صعبة" لكنها بحاجة إلى تأصيل الفقهاء المجتهدين والدعاة المتبصرين.
" منهجية الحوار " هي محاضرة د. صلاح الدين الجورشي( تونس) التي بيّن فيها أن الحوار من ضرورات الإسلام، إذ ينبغي أن يتم في كل الظروف حتى أثناء الحرب والخصومات المفتوحة مع الأعداء، لأن الهدف الأساس ليس هو إقناع الآخر بالضرورة لكنه البحث عن القواسم المشتركة، وإقامة علاقة دائمة متطورة، فنحن بحاجة إلى بناء علم للحوار -يستجيب لمستجدات العصر- يتم على مستويات ثلاث:
1. حوار بين أبناء البلد الإسلامي الواحد
2. حوار بين أبناء بلدان العالم الإسلامي عموما
3. حوار بين المسلمين والغرب
أما د. محمد المختار محمد المهدي من مصر فقد رسم معالم منهجية للحوار في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، مفتتحًا مداخلته بضرورة الاعتراف بوجود الصراع بين الحق والباطل منذ فجر التاريخ مصداقا لقوله تعالى: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىا يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمُ, إِنِ اِسْتَطَاعُواْ" (سورة البقرة: 217)، ويمكن تلخيص تلك المعالم في الآتي:
كان النبي عليه الصلاة والسلام يتزوّد بزادٍ روحي يكون له طاقةً على الصبر في محاورة المشركين، يتمثل ذلك الزّاد في قيام الليل بالعبادة وترتيل القرآن
كان النبي واضحًا مُبِينًا في محاورته، يجادل الناس بالتي هي أحسن، أما ما يحدث اليوم من تشويه سمعة الإسلام في الغرب فمن أسبابه؛ تقصيرنا في تبليغه تبليغا مبينًا، وعرضه عرضا سليمًا
كان النبي يتودّد للمدعوّين بطرق شتى، فمثلاً يخاطب اليهود مرة باسم جدهم الأكبر "يا بني إسرائيل"، توجيها ضمنيا لهم أن جدهم كان مسلما رسولاً، ويخاطبهم مرة أخرى "يا أهل الكتاب" اعترافا لهم بكتبهم
كان النبي صابرًا على أذى قومه، لا يستعجل نتائج المحاورة والدعوة إلى الله، بل يبلّغ أحسن تبليغ ثم يفوّض تحديد النصر لربه تعالى
هذه أهم معالم الحوار النبوي التي ينبغي علينا اتباعها مع الغرب، مع دعوة الشيخ محمد المهدي إلى تأمل أواخر سورة محمد حيث تُعيد الأمل إلينا في قرب النصر للإسلام بإذن الله: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىا نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمُ(31) إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآقُّوا الرَّسُولَ مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَىا لَنْ يَّضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ(32) يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(33) ... وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم(38) " سورة محمد.
من جهته د. صفوت حجازي من مصر بيّن بعض ملامح الحوار في المنهج القرآني، إذ أنّ القرآن الكريم أولى عناية كبرى بعملية الحوار، فنجد حوار الله مع ملائكته ومع أنبيائه، كما نجد حوار الأنبياء مع أقوامهم، وأغرب حوار قرآني هو حوار الله مع إبليس رغم عصيانه لربه، وكل هذا تعليم لنا لأدب الحوار، الذي أصبح وجوده باهتًا في حياة المسلمين اليوم، حيث يرفع بعضهم على بعض أحكام التكفير والتّفسيق والتّبديع، ولذا لابد أن نفتح صدورنا للحوار بين بعضنا البعض قبل أن يكون ذلك مع الغرب.
وقد رفض فكرة الحوار الديني بين المسلمين والغرب في الوقت الراهن، لأنه لا توجد قواسم مشتركة بيننا وبينهم حتى ننطلق منها في الحوار، فهم لا يعترفون بالله الواحد –التثليث عند النصارى والتجسيم عند اليهود- ولا بنبينا صلى الله عليه وسلم ولا بالقرآن الكريم، بل ويتآمرون على هذه الأصول فكيف نتحاور معهم ؟
هذا دون أن ينفي الدكتور ضرورة الحوار مع الغرب في المجالات العلمية الأخرى، ولكن ختم مداخلته ببيان أنه حتى نتحاور مع الأمم الأخرى لا مناص من أن نملك القوة والسيطرة في التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام...
وفي محور التربية الروحية بين الثقافة والممارسة، بيّن د. محمد الحسن ولد الددو من موريتانيا أهمية هذا الجانب في الإنسان من بين مكوناته الثلاثة:( العقل، البدن والروح)، وأن تربية الروح أشقّ من تربية العقل والبدن، ذلك أنها يتقاسمها جهادان كبيران: تخلية وتحلية، تخليتها من الرذائل المقيتة وتحليتها بالفضائل التي تنمّيها وتسمو بها، ولذا لم يُقسم الله عبثًا -أحد عشر قسمًا- في القرآن على فلاح من زكّى هذه النفس.
عن حقيقة الروح ورد مصطلح الروحانية في التراث الإسلامي، الذي عرّفه د. عبد الله بصفر من السعودية بأنه شعور إيماني فيّاض يشعر به المرء في بعض الفترات، تُثمر انشراحًا في الصدر وراحةً في البال وطمأنينةً في القلب، والقلب مناط التكليف لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنّ الله لا ينظر إلى صُوَركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "، من هذا المفهوم قسّم العبادات إلى قسمين: عبادات القلوب وعبادات الجوارح، عبادات القلوب هي إخلاص التوحيد وكمال الإيمان ومحبة الله والشوق إلى لقائه مع حسن الخلق، أما عبادات الجوارح فهي الشعائر وأعمال البرّ، وانتهى الدكتور إلى فضل الأولى على الثانية لأن أعمال القلب هي المنطلق والدافع لأعمال الجوارح، وليس لها حد ولا زمن معين بل تستغرق عُمُر الإنسان في كل أحواله وظروفه، حتى أن أهل النعيم يذكرون ربهم ويتنعّمون بتسبيحه وتحميده قبل وبعد دخولهم الجنة.
" تربيتنا الروحية زاد للتقاة وتقويم للعصاة " هي محاضرة الدكتور محمد راتب النابلسي من سوريا الشقيقة الذي أكّد أولا على بعض المفاهيم الأساسية، كمفهوم الإنسان ( عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك )، ومفهوم العبادة (طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية)، ثم ذكر الدكتور أساس التربية الروحية وهو معرفة الله تعالى التي لها طرق ثلاث: التفكر في خلقه، النظر في أفعاله وصفاته، والتدبر في قرآنه.. أما ثمرة هذه المعرفة هي أن المؤمن بقدر ما يعرف ربه يطيعه ويُقبل عليه ويشتق منه الكمال، وبالنسبة للوجود الإنساني فقد قسمه الدكتور إلى ثلاث مراتب هي جزاءات لأعمال تسبقها:
بمحبة الله والاستقامة يحقق سلامة الوجود.
بعمل الصالحات يحقق كمال الوجود.
وبتربية الأولاد يحقق استمرار الوجود.
وبالنظر إلى الواقع الإسلامي المؤسف وما يتعرض له من اعتداءات غربية على أهله ومقدّساته يقول الدكتور النابلسي: ( كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، علينا –نحن المسلمين- أن نصمت وأن نعمل، كيف دخلت امرأة مسلمة محجّبة القصر الجمهوري في تركيا؟ .. بالإنجاز لا بالكلام. واقعنا يشكو بطالة عالية؛ أمّية؛ عنوسة؛ جهل، فقر ... بأسنا بيننا، سلمنا لأعدائنا، نستورد ولا نصدّر، لا أحد يُصغي إلينا.
الشعار الذي لابد من تجسيده هو: يجب أن نقدم إنجازًا حضاريًا حتى يخضع الغرب لنا. يقول عالم أمريكي هداه الله للإسلام: "أنا لا أصدّق أنّ العالم الإسلامي يستطيع اللحاق بالغرب على الأقل في المدى القريب، لكنني مؤمن أشدّ الإيمان أنّ العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام، بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، ويحسنوا تطبيقه، ويُحسنوا عرضه على الطرف الآخر" ).
ورغم الأحداث الجِسام التي يمر بها العالم الإسلامي يظل الدكتور محمد راتب النابلسي متفائلاً بقوله: ( الإسلام انتقل من التعتيم إلى بؤرة الاهتمام، وأصبح الوحيد في ساحة القيم والمبادئ بعد انهيار المعسكر الشرقي وسقوط الحضارة الغربية –رغم بقائها كقوة غاشمة- فرُبَّ ضَارَّةٍ نافعة ) لكنه نبّه بعد ذلك إلى حقيقة نصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا أرى أنّ مديحه والثناء عليه يكفي؛ لا بدّ أن نتّبعه، يقول تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ " معنى الآية –حسب تفسير المفسرين- ما دامت سنة النبي قائمة في بيوتهم، في أعمالهم، في أفراحهم وأتراحهم، في كسب أموالهم وإنفاقها، في تربية أولادهم، ما كان الله ليعذبهم ... مستحيل أن نُعَذّب ومنهج النبي قائم فينا، مُلخّص الملخّص: هان أمر الله علينا فهُنَّا على الله. إن لم نغيِّرْ فالله لا يُغيِّر. يجب نقل منهج الله من اعتزاز وإعجاب سلبي إلى تطبيق عملي)
ولنجاح الخطاب الدعوي المعاصر ذكر د. سعيد بويزري من الجزائر في محاضرته: دور العلماء والهيآت في ضبط الخطاب الدعوي؛ جملة من المرتكزات أهمها ما يلي:
1) فهم المقاصد الشرعية تحقيقًا لمصالح العباد.
2) إعمال أنواع الفقه: فقه الأولويات، فقه الأقليات ...
3) استثمار العلوم والمعارف العصرية في الخطاب الدعوي، إقامةً للحجة وإبراءً للذّمّة.
4) الحوار الهادئ والتواصل المثمر مع الطرف الآخر.
5) تفعيل الاجتهاد الذي يربط مستجدات العصر بالقواعد والأصول.
وفي آخر محور من الملتقى: أحكام الدين بين فقه العلماء وخطاب المرشدين، تحدّث الدكتور عبد الحليم قابة من الجزائر عن خطاب الفتوى كيف يجب أن يجمع بين لغة العقول ولغة القلوب، حتى يشعّ تأثيرها في النفوس تقبّلاً واقتناعًا، وعلى المفتي أن يرى إلى الفتوى على أنها دعوة في آن واحد، فيستغلّ حاجة المستفتي إلى علمه في دعوته إلى ما هو أعلى قيمة وهو عنه غافل، وقد ذكر الدكتور لذلك نماذج من القرآن والسنة من بينها موقف سيدنا يوسف في السجن مع صاحبيْه؛ حيث استغلّ حاجتهما إلى تأويل الرؤيا في دعوتهما إلى التوحيد: "يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَآرْبـَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ اَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (سورة يوسف: 39)
هذه ومضات سريعة عن محاضرات الملتقى، ويمكن تلخيص آراء العلماء والأساتذة المشاركين فيما يخص الإساءة إلى الإسلام ومقدساته -من خلال استجوابات الصحافة معهم- في النقاط الآتية:
1. العمل على تأسيس شبكة إسلامية لرصد الانتهاكات الموجهة لديننا الحنيف، قادرة على متابعة المستجدات وإيصال رسالة الإسلام إلى العالم بمختلف اللغات.
2. ضرورة دعم المؤسسات الإسلامية العاملة في الدول الغربية، من أجل تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام في الغرب.
3. تفعيل سلاح المقاطعة للمنتجات، بالآليات التي تضمن الاستمرارية إلى حين التوقف عن أي ممارسات عدائية ضد ديننا الحنيف.
4. قيام الدول الإسلامية بسن قانون دولي يحظر الإساءة إلى الأديان السماوية ورموزها من الأنبياء، ومطالبة الغرب بتشريع مماثل يخص الإسلام بالذكر على غرار قوانين تجريم التشكيك في "الهولوكوست".
5. نشر ثقافة التسامح والاعتدال والاختلاف الحضاري بين المسلمين، ونبذ سياسة العنف والإقصاء والتهميش، باعتبار ذلك أهمّ عامل لترصيص الوحدة بين أبناء الإسلام.
نسأل الله تعالى ألاّ يُعقد الملتقى الثاني إلاّ وقد تحسّنت أوضاع المسلمين إلى مقام الرفعة والتمكين ولن يكون ذلك إلا بالعمل ثم العمل ثم العمل: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ".