زياني الجيلالي
تتفاضل الليالي فيما بينها كما تتفاضل الأيام بما يقع فيها من أحداث، ولقد كانت ليلة عظيمة حقا، إن لم يكن لجميع الناس، فعلى الأقل لمن شاء الله لهم و ساعدتهم ظروفهم أن يكونوا هناك في ذاك المكان: قاعة حرشة حسان بالجزائر العاصمة، صاحب المبادرة: جمعية الإرشاد و الإصلاح، التاريخ: يوم الأربعاء12ربيع الأول 1429، المناسبة: ذكرى مولد خير الأنام محمد عليه الصلاة و السلام.كل شيء كان مهيئا، المدعوون من علماء ودعاة ومنشدين، المنصة، القاعة مكتظة عن آخرها، آلاف الحضور من الشباب والرجال والنساء والأطفال، المنظمون مصطفون بصدرياتهم الخضراء، و مسؤولو الجمعية ببذلاتهم الأنيقة يتابعون كل كبيرة صغيرة.
انطلق الحفل بعد صلاة المغرب، بآيات بينات من القرآن الكريم شنف بها آذان الحاضرين احد اكبر مشاهير القراء فضيلة الشيخ عبدالله باصفر رئيس الهيئة العالمية لتحفيض القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية، ثم دوى صوت عميد الأنشودة الدينية محمد منذر السرميني المشهور"أبو الجود"، الذي ألهب القاعة بأناشيده الحماسية تارة، والروحانية تارة أخرى، في مزاوجة رائعة لا يقدر عليها إلا كبار الفنانين، ثم اعتلى المنصة الداعية عبد الحميد البلالي من الكويت، الذي أفاض في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وتسفيه مبغضيه من الجهلة الحاقدين في العالم الغربي.ليتابع الجمهور الحاضر بعده ترانيم المنشد العالمي أبو راتب، وقد أطلق العنان لصوته الرقيق الدافئ، يخترق القلوب و يخالج المشاعر، تجاوب الحضور معه أيما تجاوب،لياتي دور الدكتور محمد راتب النابلسي من سوريا الشقيقة، ليقدم لوحة من الإبداع البياني، في سرد بعض من شمائل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
و يا لها من لحظة مؤثرة حين اشرأبت الأعناق نحو رئيس الجمعية الأستاذ عيسى بن الأخضر، وهو يصطحب معه ثلة من العلماء والدعاة، ليقوموا جميعا بتكريم العالم المفتي الشيخ الفاضل محمد شارف ، وقد تجاوز المائة عام من عمره، أمضى معظمه في خدمة دين الله و كتابه و تعليم المؤمنين و إرشادهم. وبدون مقدمات، انطلق المنشد عماد رامي بصوته القوي، ليقدم باقة من أناشيده الرائعة، حيث بلغ تفاعل الجمهور معه مداه، مما حدا به أن يخص مستمعيه بنشيد من ألبومه الجديد الذي لم يصدر بعد، طالبا رأي الجمهور فيه، فجاء ردهم ليقولوا بأنه رائع طبعا.
أما الداعية الدكتور صفوت حجازي من مصر، فقد شد الانتباه و شخصت إليه أعين الحضور، وألقوا إليه أسماعهم وهو يخوض في بعض المحطات المضيئة من تاريخ الثورة الجزائرية. واستحسن المستمعون وقفات الداعية الذي لم يفوت المناسبة ليذكر الحاضرين بمقولته الشهيرة: لو لم أكن مصريا لتمنيت أن أكون جزائريا .
ووقف أمام الجمهور العالم الموريتاني محمد الحسن ولد الددو و شرع في ذكر طبقات علماء الجزائر عبر تاريخها الإسلامي الطويل، ومر على أسماء أعترف أنني لم أسمع عنها الكثير، و بدا الشيخ حاد الذاكرة وهو يسرد الأسماء والتواريخ، ولكن الذي أذهل الحضور حقا هو أن الشيخ الجليل قال: سأروي لكم حديثا بسندي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثني جدي عن فلان عن فلان...حتى انتهى إلى صاحب الذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أما ابن الأقصى المبارك الدكتور مفيد أبو عمشة فوقف في شموخ شجر الزيتون الفلسطيني، مخاطبا الحاضرين بحتمية زوال إسرائيل، وتحرير فلسطين، قائلا: ولدت سنة1957 في مخيم للاجئين، وفي 2007أصبح اليهود ينزحون عن بيوتهم إلى الخيم، هروبا من قذائف وصواريخ المقاومة الباسلة. بينما راح الأستاذ التركي عمر فاروق يذكر جماهير القاعة بالموقف الرائع الذي وقفه السلطان عبد الحميد الثاني، حين رفض إغراءات اليهود المالية مقابل منحهم فلسطين ودولته في أمس الحاجة إلى المال. تعاقب على المنصة دعاة ومنشدون لا يتسع المقال لذكرهم جميعا، و تفنن كل واحد منهم في مخاطبة قلوب وعقول المستمعين إلى درجة جعلت من الصعب على أي مستمع أن يقول هذا أفضل من هذا.
لقد كانت ليلة جامعة حقا، جمعت بين مناسبات ومعاني عزيزة، مولد خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم وانطلاقة ثورتنا التحريرية المباركة وعيد النصر، جمعت بين الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، و فن الإنشاد الإسلامي النقي الراقي الهادف، وجمعت بين العرب والعجم، و بين الكبار والصغار، و النساء والرجال، وجمعت بين الاستفادة والترويح عن النفس، كل ذلك في جو إسلامي عطر طاهر. سبع ساعات مرت كأنها ساعة أو بعض ساعة، لا شك أن كثيرا من الحضور تمنوا أن لا تنقضي الليلة، لأنها من نوادر الليالي التي قلما أصبح يجود بها الزمان في عالم طمست جماله حمى التنافس على الشهوات والماديات.
أما نجم القاعة، بل نجم الحفل، الشيخ الدكتور عبد الله بصفر، الأمين العام للرابطة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم، فقد افتتح الحفل بتلاوة جميلة مؤثرة للآيات من الذكر الحكيم، خشعت لها قلوب المستمعين، وعاد ليختتم الحفل بدعاء جامع مانع، سكنت لوقعه الجوارح، و هدأت به النفوس، وذرفت له العيون عبرات الخشية و الندم، فلله درّه من شيخ عظيم، قرأ فأجاد، ودعا فتأثر وأثر، ولامست كلماته شغا ف القلوب فبكى وأبكى. في اليوم الموالي، جلست مع صديق لي نستحضر ما حفلت به الليلة الخالدة ،فقلت له: لو لم يكن في الحفل كله سوى دعاء الشيخ بصفر لكان حريّا بالمرء أن يحرص جهد الحرص على حضوره، وأرجو أن نحتفل في العام القادم إن شاء الله بأمرين: مولد الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم، وانطلاقة ثورة التحرير المظفرة، قال لي صاحبي: أما أنا فسأحتفل بذكريات ثلاث، أما اثنتان فقد ذكرتهما، وأما الثالثة فيمكن أن أسميها ذكرى مولدي الثانية، وأضاف منذ شهور وتيار الحياة يجرفني إلى مرافق الخمول و الترف و التسويف، و لكنني الليلة الماضية احسست بانقلاب يهز كياني، وأصبحت اليوم و أنا أحس نفسي إنسانا آخر كأنني ولدت من جديد، ونداء يتردد صداه في أعماقي يقول: إن ديننا يستحق أن نحيا به وله.