أيها المحتفون بهذه المناسبة العطرة، يوم ميلاد الهدى والنور والرحمة المهداة للعالمين، التي تعد منعطف التحول الحضاري في مسار البشرية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهنيئا لكم وللأمة العربية والإسلامية جمعاء بل والإنسانية كلها حيث لا تزال الكثير من الشعوب تائهة في غياهب الظلم والحرمان من نور الرحمة العالمية التي مثلها صاحب الرسالة العصماء محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه ربنا سبحانه " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
أيها المحتفون الكرام، رجالا ونساء شبابا وشيبا، هاهي فرصة التأمل قد أهلت بليلة الثاني عشر من ربيع الأول، من عام الفيل سنة 571 م بل هاهي إشراقه النور قد نبهنا وميضها في خضم معترك الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، إقليميا ودوليا، فهلا استعدنا حركة الوعي الغائبة أو المغيبة في كثير من الأحيان، هلا تحركت في نفوسنا الأشجان وأورقت في أمتنا الأفنان، وتناغمت بجهودنا وأعمالنا مقاصد الأديان، واعتبرنا بمسيرة أسلافنا قادة الثورة التحريرية حين التمسوا البركة بليلة المولد فكانت ثورتهم خير برهان!!
أيها الشباب، إن ذكرى مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، تحدوني على أن أخاطب فيكم وازعكم الديني وضميركم الخلقي، وكبرياءكم الإنساني وشرفكم الأخلاقي، وتاريخكم القيم وطبعكم الجزائري لأقول لكم، إنه آن الأوان لنطرد من أذهاننا وهم العزة خارج الوطن، أو عيش الهوامش في أوطان الآخرين، آن الأوان لنرفض السفيه من الأفكار ولو غلفت بلبوس بعض المقتطفات من التراث، لأننا أمة الأصول والمقاصد لا أمة الأهواء والمفاسد؟؟
آن الأوان لنستلهم من هذه المناسبة وهج الدين الصحيح، وتسامحه الفسيح، حينها لا يكون في شبابنا أي مطمع لأعداء الحرية والعيش الديمقراطي والتضامن والتكافل الوطني، لا يجد المتاجرون بالدين أو السياسة أو الديمقراطية في شبابنا أي وسيلة لإراقة الدماء بين أبناء الوطن أو التلاعب بمصير شبابنا في عرض البحار سعيا وراء تحقيق الأحلام الزائفة.
أيها العلماء والدعاة والمرشدون، إنكم حين تلتقون في مثل هذه المناسبة تبعثون في أجيال شبابنا شعلة الأمل بدون شك، بل عليكم يعول المخلصون لأوطانهم وأمتهم لأننا أحوج ما نكون إلى إبراز المعاني الصحيحة للدين والمقاصد ذات الأولوية في شريعتنا الغراء، بل نعول عليكم جميعا في الأخذ بأيدي أبنائنا وهم أسس بنائنا الاجتماعي لأن التنشئة الاجتماعية في مجتمعنا اليوم صارت هشة، وحركة التعالم في أوساط الأمة صارت تغري الكثير من فلذات أكبادنا.
فالأسرة كوحدة اجتماعية أو كمدرسة قيمية أولى تعرض للتحديات المتتالية، الأبناء صاروا ضحايا الإعلام المتطور والمغلف بمختلف الأساطير والدعايات، والمرأة في بلادنا ما تزال قواها معطلة تارة ومشينة في أحيان كثيرة بين التشبث بالقديم أو تقليد الآخر.
أيها السادة العلماء والدعاة، نستبشر خيرا بمشاركتكم في هذه الاحتفاليات، تجديدا للفكر وإحياء للروح، خاصة أنتم الذين أتيتم من بلدان شقيقة وصديقة لمشاركتنا أفراح هذه المناسبة، نقول لكم لان المرحلة صعبة، ومجتمعاتنا حية ولكنها بحاجة إلى تأصيل الفقهاء المجتهدين، والدعاة الوعاة المتبصرين، عسى أن تبعث المناسبة فينا قوة الإحساس بعمق قضايانا، وأوليات احتياجاتنا، سواء في تربيتنا الأسرية، أو في ثقافتنا السياسية، أو في مناهجنا التربوية، أو مشاريعنا الاقتصادية.
أيها الفنانون والمنشدون الذين جئتم من بلدان متعددة وشعوب مختلفة باعتباركم سفراء الكلمة الطيبة والصوت الإنساني المؤثر، مرحبا بكم في بلادكم، إننا إذ نطرب لنشيدكم، ونسعد بفنكم، فإننا نعقد الأمل عليكم في تحريك وجدان الأمة وتهذيب مشاعر النشء في أرجاء أمتنا، بل إننا نتوق إلى أن تصير حركتكم فعالة في عصر العولمة الذي لا بقاء فيه لأمة ضعف حراكها وتبلد إحساسها بالجمال كلمة أو صورة، إننا نتمنى أن يكون لفن الإنشاد الإسلامي الجميل ريادة في ساحة الفن العالمية يمكن للبشرية أن ترتشف بعض شذراته كما فعل أسلافنا حين بلغوا الكلمة الطيبة بجمال الأسلوب أو جمال اللحن ففتحت حصونا ما كانت البشرية تتوقع الفكاك منها.
إن ذكرى مولد المصطفى (صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأخيار) تنبهنا إلى أهمية التربية بالحكمة والموعظة الحسنة، بل تلفت نظرنا إلى أهمية القدوة الصالحة في تربية المجتمعات وترقية السلوك الحضاري للأمم، ولذلك قال البشير النذير صلي الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
فالله الله يا مربينا، الله الله يا معلمينا وأساتذتنا ومسؤولي التربية الحقة والتفكير السليم، والتكافل الاجتماعي الناجح من خلال سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم,
إن الكثير من أمراضنا وآفاتنا الاجتماعية يمكن أن نجد لها العلاج بل المنهج الوقائي الناجح إذا نهلنا من المعين الصافي المتمثل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العطرة وأصحابه البررة الأطهار.
إني وأنا أهنئ الشعب الجزائري والأمة الإسلامية بهذه المناسبة الدينية المميزة لأتوجه بالشكر لجمعيتكم التي بذلت جهدا طيبا في تحصين الشباب ثقافيا وتربويا واجتماعيا من الآفات الوافدة، ونتمنى أن تتضافر كافة جهود المجتمع المدني من أجل خدمة الصالح العام، بغية الرقي ببلادنا وشعبنا إلى مصاف المجتمعات المتقدمة.
إنها لمهمة عظيمة إذا توافرت الإرادة والتضحية من أجل تحصين الشباب وتبصيرهم بمشاريع مستقبلهم، وإنه لجميل أن تتكامل جهود الجمعيات الخيرية والثقافية وكذا دور الزوايا والمنظمات الوطنية من أجل المضي قدما في إنجاز ما نصبوا إليه جميعا بغية تحقيق العزة والكرامة لهذا البلد.
"وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".