تونسي حسين
يقصد بالطفل الناعم والضعيف من كل شيء، والطفل في الإنسان هو صغيره الذي لم يشتد عوده، والطفولة هي مرحلة من عمر الإنسان، ما بين ولادته إلى أن يصير بالغا مكتملا وقادرا. و الجدير بالذكر أن إعطاء تعريف واسع وعام للطفولة، كان سببا في صعوبة تحديد نهاية مرحلة الطفولة، إلى أن صدرت عن هيئة الأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل بتاريخ 20نوفمبر1989، معرفة الطفل بـأنه: كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ الرشد بموجب القانون المطبق عليه.
إن الطفل هو رجل الغد، ومعنى هذا أن الطفولة تتطلب العناية الخاصة والحماية القانونية الأكيدة، وإن الذي يأمل في تكوين رجال ونساء صالحين ومصلحين، يتعين عليه توجيه كل الطاقات الفاعلة للإسهام في توفير الجو الملائم لحسن تربية وتكوين النشء، وتهيئته لمواجهة متطلبات الحياة، و يأتي التشريع في المقام الأول، لأنه بدون إجبار قد لا يلتزم الكبار باحترام الواجبات التي عليهم في مواجهة الأطفال.
و إلى زمن قريب، لم تكن الطفولة مشكلا، يقف أمامه أولي الأمر بغرض إيجاد الحلول الملائمة، ولا كان الناس يهتمون بحقوق الطفل وواجبات المجتمع نحوه، لكن بسبب تعقد الحياة الاجتماعية تبعا للتحولات الاقتصادية، تفاقمت قضايا الطفل، وأصبح يشكل خطرا على نفسه وعلى المجتمع، ونظرا للتحولات المجتمعية وزحمة الحياة و التوسع العمراني، بات الطفل محل اعتداءات وتجاوزات من أطراف مختلفة، ومع الأيام تعقدت الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية التي يفرزها تهميش الأطفال وحرمانهم من حقوقهم، ولاسيما في المجتمعات التي لم تمنح الموضوع العناية اللازمة.
إن عدم الاعتناء بالطفل، من شأنه أن يحوله إلى مصدر خطر على نفسه وعلى غيره، والطفل غير السوي يحتاج للعلاج والرعاية و إعادة التأهيل لا للنبذ والعقاب.
ومن ثم فالطفل في حاجة لحقوق تحميه من الأخطار والأضرار التي تتربص به، ويمكن تقسيم هذه الحقوق إلى قسمين: حقوق الطفل في الظروف العادية، وحقوق الطفل في الظروف الخاصة.
- أولا: حقوق الطفل في الظروف العادية :
ويمكن لنا في هذا المجال أن نذكر الحقوق التالية:
1- الحق في الحياة: وهو حق الطفل في العيش، حتى وهو جنين في بطن أمه، ولذلك جاء الشرع والقانون
وحرما الإجهاض، و التعدي على الحياة بالضرب أو القتل وغير ذلك.
2- الحق في الحرية: هناك اتفاق في القانون المقارن والاتفاقيات الدولية (اتفاقية حقوق الطفل 1989، اتفاقية بشأن الاسترقاق 1926، اتفاقية مناهضة الرق والاستغلال للدعارة 1949) على تجريم كل اعتقال للأطفال أو الحدّ من حرياتهم، ولو في زمن الحروب.
ولقد جاء الإسلام بسياسة متدرجة وحكيمة للقضاء على العبودية، ووظفت وسائل عديدة لتحرير العبيد في زمن السلم والحرب معا، وقد نجحت في الواقع فعلا.
3- الحق في الحصول على وضعية قانونية: تمثل أساسيات الهوية القانونية في الإسم والنسب والجنسية، وقد ألزم القانون الوالدين بتسجيل الطفل في سجل رسمي، وأن كل إخلال أو تحريف في الهوية يعاقب عليه القانون.
ولقد كان الإسلام سباقا في هذا المجال، إذ حث على منحه اسما محببا، وأقر للطفل حق الانتساب لأسرته، وجعل ذلك واجبا دينيا ودنيويا على عاتق الوالدين، وحرم كل تغيير في هوية الطفل، قال الله تعالى: (أدعوهم لآبائهم).
4- الحق في الهوية الثقافية العقائدية: إن اتفاقية حقوق الطفل1989 قد حرصت على حماية حقوق الطفل عندما تختلف هويته العقائدية وثقافته عن ثقافة الدولة المضيفة أو عن عقيدة الوالدين أو أحدهما، لاسيما عند الانفصال، وذلك حتى لا تضيع حقوق الطفل بسبب الخلافات.
ولقد جاء الإسلام وأقام مبادئه على أساس احترام باقي الديانات والتعايش معها، وعدم إرغام الناس على اعتناق الإسلام كرها، قال الله تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).
5- حقوق الطفل على الأسرة: وعلى رأسها حق الطفل في الأبوة والأمومة، وبحسب القوانين تثبت البنوة متى كان الطفل ثمرة زواج شرعي صحيح، إنما إنصافا للطفل يثبت النسب بالإقرار أو الاعتراف، مع اختلاف القوانين في إجراءات الاعتراف.
ونذكر بأن حضانة الطفل مسؤولية تشمل واجبات الرعاية والتربية والإنفاق والتدريس والتحسيس بالدفء والآمان.
6- حقوق الطفل على الدولة: تسعى الدول ليكون لها مواطنون صالحون، يقوم عليهم مستقبلها، لذلك تلزم بتوفير الظروف الكفيلة بإعداد أطفال أسوياء ومقتدرين، ولهذا أقرب الدول حق الطفل في التربية والتعليم، والصحة، وإعفائه من العمل، وإلا فيلزم توفر ظروف عمل مناسبة.
- ثانيا: حقوق الطفل في الظروف الخاصة
ونقصد بالظروف الخاصة، ما يمكن أن يحمل معنى التهميش وحرمان الطفل فمن طفولته ومن مقوماته الأساسية، ومن صور الحرمان، الحرمان من النسب أو الهوية أو التمدرس أو التربية أو حق المواطنة. وفي هذا المجال يمكن حصر الحقوق التالية:
1- حق الطفل غير الشرعي في النسب: إن الإسلام لم يدع إلى نبذ الأطفال غير الشرعيين، بل سعى لمحاربة اختلاط الأنساب وانتشار الزنا، أي استئصال الشر من جذوره. وما أدل على ذلك حرص الفقهاء على إلحاق الابن بنسب الزوج متى وجدت قرينة على الإلحاق، وقد توسعوا في وسائل إثبات النسب أو بالعكس ضيقوا فرص إنكاره.
2- الحق في أسرة بديلة: ليس من العدل أن يدفع الأطفال غير الشرعيين ثمن انتشار الرذيلة و اللامسؤولية، لذلك أقر الإسلام مجموعة مبادئ تصون كرامتهم وتحفظ لهم هويتهم، من ذلك الرضاع، والتنزيل منزلة الولد، والموالاة والأخوة في الدين، والكفالة، قال الله تعالى ( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم).
3- الحق في مورد للعيش: سعى الإسلام لمحاربة الفقر، عن طريق حث الناس على العمل ونبذ الاتكال، وبالمقابل إذا عجز الإنسان عن الكسب، أو وجد طفل بدون معيل، فالحكم الشرعي أن المجتمع يتكفل به، وإلا تولى ذلك بيت المال، ووضع الشرع طرقا لا تمويل أعمال التكافل (التضامن الاجتماعي) وعلى رأسها الزكاة والكفارات والصدقات.
4- الحق في التربية والتعليم: إن الحرمان من التعليم يعتبر كافيا للعيش على هامش الحياة، لأن مستقبل الشعوب هو العلم. وقد دعت هيئة الأم المتحدة، في إطار اتفاقية حقوق الطفل 1989 إلى ضمان حق التعليم، وتكييف البرامج مع الأوساط الاجتماعية، واستعمال كل الطرق لمحاربة ترك الدراسة.
5- الحق في الاستقرار: إن حالات عديدة من تهميش الأطفال ترجع إلى انعدام الاستقرار بسبب النزوح واللجوء والتشرد والافتقاد لأسرة حاضنة. وقد دعت اتفاقية حقوق الطفل 1989 الدول لاحترام الأقليات ومنح الطفل اللاجئ كل الحقوق كباقي الأطفال.
6- إدماج الطفل المعاق: ويتطلب إدماج الأطفال المعاقين برامج خاصة ومنهجية جادة، ويهدف الإدماج الاجتماعي إلى الاستفادة من طاقات الطفل المعاق، حتى لا يكون عالة على المجتمع، فالغاية منه هي الإفادة والاستفادة معا.
7- الحماية من الاستغلال والتعدي: تختلف أسباب استغلال الطفل، والذي قد يأتي من شخص قريب أو بعيد أو مجموعة أشخاص أو عصابات إجرامية. إن الحماية في هذا الشأن تشمل جانبين:
- الحماية من الاستغلال والتعدي بمناسبة الشغل.
- الحماية ضد الاعتداءات الجسدية والجنسية.
8- حق الطفل الجانح في إعادة التأهيل: إن الظروف الاجتماعية هي المسؤول الأول عن الجنوح، وإن الانحراف مجرد مظهر لعدم القدرة على التكيف مع المجتمع، إن الجانح مريض يحتاج للعلاج وإعادة التأهيل وليس مجرما يستحق العقاب.
إن ظاهرة الجنوح التي عانت منها الدول الغربية، انتقلت إلى الدول النامية مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وتغير أنماط الحياة، مع الفارق الكبير في درجة الوعي بخطورة المشكل وطرق التصدي له. غير أن نظرة إلى الواقع، تظهر أن التهميش واللاتكيف لا يزيد إلا تفاحشا. فهل هذا يعني أن فشل الحماية يعود لأسباب أخرى غير تشريعية؟ ماهي هذه الأسباب يا ترى؟ لحلقات القادمة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة المهمة في الموضوع.