تعريف الروح
جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، وينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة وهو الذي لا يصح غيره وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة، (الروح) لابن القيم ص 212 ط المكتبة العصرية بيروت.
وقال سبحانه وتعالى: "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" الأنعام 93-94.
والمراد بالروحانية: ذلك الشعور الإيماني الفياض الذي يحصل للمرء في بعض الأوقات والذي عبر عنه ذلك الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي رضي الله عنه قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت ياحنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ماتقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يارسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه: (وما ذاك؟) قلت: يارسول الله! نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ماتكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن ياحنظلة! ساعة وساعة، ثلاث مرات" رواه مسلم ( 2750).
أي ساعة تعبد فيها الله، وساعة أخرى تقيم هذه الحياة على ما شرعه الله تبارك وتعالى لك، وليس المقصود بساعة وساعة أن تعبد الله ساعة، ثم تعصيه ساعة أخرى، وإنما المقصود: ساعة تصلي فيها بين يدي الله، وساعة أخرى تقضي فيها أمورك الدنيوية، ولكن ضمن إطار الشريعة، وضمن ما أحله الله تبارك وتعالى، ويعني بقوله صلى الله عليه وسلم: لصافحتكم الملائكة أي لأصبحتم في مرتبة الملائكة، لأن الذين يذكرون الله بالليل والنهار لايفترون هم الملائكة ولستم أنتم.
وهذه الروحانية تحصل عندما يصلح قلب العبد، فتزكو نفسه، وتظهر عليه آثار هذه الروحانية، راحة في الضمير، وطمأنينة في النفس، وانشراحا في الصدر، فرحا وسرورا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"رواه البخاري(1/20).
فبصلاح القلب تصلح الجوارح، وبصلاحها يصلح العبد أمور معاشه ودنياه، ثم يكون في الآخرة من الناجحين المفلحين.. كما قال سبحانه على لسان نبي الله إبراهيم عليه السلام:"ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى اله بقلب سليم"، والقلب هو محل لهذه الروحانية التي نتحدث عنها اليوم.. ولهذا فإن القلب له مكانة عظيمة في دين الله تبارك وتعالى.. فهو:
أولا، مكان تنزل الواردات الإلهية من الرب جل وعلا: والنصوص الشرعية حافلة بإظهار شرف القلب وأهميته وعظم تأثيره، وبيان أن الله تعالى يتصرف في قلوب البشر كيف يشاء، فالله تبارك وتعالى يحول بين المرء وقلبه: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" الأنفال24. والله سبحانه يربط على قلوب المؤمنين فيصبرون "وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض" الكهف 14. "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين" القصص10. والله تعالى يقذف في قلوب الأعداء الرعب، "وقذف في قلوبهم الرعب" الحشر2 . فهذه الواردات وغيرها دليل على شرف القلب وعظم أهميته.
ثانيا، القلب مناط التكليف: إذ الإسلام والإيمان والإحسان وما يتبع ذلك كله من عبادات باطنه محله القلب، والقلب محل نظر الله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن "الله لاينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأشار بأصابعه إلى صدره الشريف" رواه مسلم(12/94).
ثالثا، مكافآت وعطايا للقلب المهتدي: القلب المهتدي فيه أنوار وبصائر يهبها الله من يشاء من عباده، فيكفيه بها كثيرا من الشر، ويهديه إلى خير كثير. ومن ذلك: الإلهام، قال الله تعالى: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولاتخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين" القصص 75. ومن ذلك: التحديث وهو أن تحدث الملائكة الإنسان، فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر" رواه البخاري( 5/15). ومن ذلك أيضا: الفراسة والرؤى الصالحة، وغير ذلك.
رابعا، النوازع القلبية قد تنجي المرء وقد ترديه: قد ينزع في قلب الإنسان نازع شريف فينجو، وقد ينزع فيه نازع فاسد فيهلك، فالقسوة والغلظة نازع قلبي فاسد، لما ورد في قلب امرأة هلكت، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن امرأة من بني إسرائيل دخلت النار في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" رواه مسلم (2/10). بينما نزع في قلب امرأة أخرى نازع الرحمة وهو نازع شريف فنجت، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها، فغفر لها" رواه مسلم (14/402).
خامسا، صلاح القلب صلاح للفرد والمجتمع: فالقلب الصالح أول لبنة في صلاح المجتمع، إذ صلاح الفرد منوط بصلاح قلبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله وألا وهي القلب" رواه البخاري (1/20). والصلاح صلاحان صلاح مادي وصلاح روحي أما الصلاح المادي فإنه إن صلح قلب الرجل فإن بدنه سيكون صالحا لابتعاده عن المسكرات والمخدرات والفواحش، فإذا صلح بدنه كان لبنة صالحة في رقي الأمة الإسلامية ونتاجها وبناء حضارتها، وهذا إصلاح مادي كبير. وأما الصلاح الروحي فإن صلاح القلب يتبعه حسن القيام بحقوق الله تعالى كالصلاة والصيام، وإقامة الجهاد ونشر الدعوة، والأمم إنما تقوم بصلاح القلوب مع صلاح الأبدان.
سادسا، أعمال القلوب هي أساس النجاة من النار والفوز بالجنة: ومن ذلك : التوحيد فهو عبادة قلبية محضة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" رواه البخاري (4/201). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل مابينهم قالوا: يارسول الله! تلك منازل الأنبياء لايبلغها غيرهم ؟ قال: بلى والذي نفسي بيده: رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" رواه مسلم (17/301). ومن ذلك أيضا: سلامة الصدر للمسلمين: وهذه عبادة قلبية قل من يتعبد الله تعالى بها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه أي تقطر لحيته ماء قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمر فقال : إني لاحيت أبي أي خاصمته فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار –تقلب على فراشه- ذكر الله عز وجل، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا. فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله: إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا ثلاث مرات: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك. فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ماهو إلا ما رأيت. قال : فلما وليت دعاني فقال: ماهو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق" قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/81/82) : رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.
سابعا، ارتفاع الدرجات في الجنان إنما هو بعمل القلوب: فمحبة الله، والشوق إليه والتوكل عليه، والإنابة له، والاستعانة به.. كلها من أعمال القلوب.. وهي التي توصل العبد إلى أعالي الدرجات في الجنة. ومن ذلك: الحب في الله .. فهو عمل قلبي محض.. فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله جلساء يوم القيامة عن يمين العرش –وكلتا يدي الله يمين- على منابر من نور، وجوههم من نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ولا صديقين قيل : يا رسول الله من هم؟ قال: المتحابون بجلال الله تعالى" قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (10/280) رواه الطبراني، ورجاله وثقوا ومن ذلك أيضا: حسن الخلق، إذ هو مشتمل على عبادات قلبية كثيرة، مثل: التواضع، وخلو الصدر من الغل، والظن الحسن، والرحمة، والرفق بالناس، ونحو ذلك كثير أكرم المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي قال: "ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" أخرجه الترمذي في كتاب الزهد باب: ما جاء في حسن الخلق، وقال: حديث حسن صحيح. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. ولقد فاز الأنبياء بالدرجات العلى بتميزهم بعبادات القلوب، والتي تمثل الروحانية التي نحن بصدها. فإبراهيم عليه السلام كان عظيم التوكل، وأيوب عليه السلام كان كثير الصبر، وآدم عليه السلام كان قد تاب توبة عظيمة، وعيسى عليه السلام كان عظيم الزهد، والزهد عبادة قلبية محضة، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد جمع له هذا كله وغيره من عبادات قلبية على أحسن وأتم صورة، فاستحقوا بذلك المراتب العالية، والدرجات الرفيعة صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
ثامنا، روحانية القلب أجمل وأعظم أثرا من أعمال الجوارح المجردة عنها: فالعبادات القلبية أجمل وأحلى وقعا وأثرا وممارسة، وهذا ما يحسه المرء في نفسه إن كان قلبه موصولا بمولاه جل وعلا. قال بعض السلف: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه والإعراض عما سواه "تهذيب مدارج السالكين ص 245. والعبادات القلبية تجمل عبادات الجوارح، فالفرق عظيم بين صلاة بقلب حاضر، وصلاة بقلب غافل لاه، وبين صيام بإخلاص وإقبال واحتساب، وصيام خال من ذلك، وبين حج بتضرع وانكسار وحج بشموخ واستكبار، وهكذا. وكان السلف رحمهم الله يفضلون عبادات القلوب على الإكثار من عبادة الجوارح، وهذه بعض أقوالهم في عبادة التفكر في أمر الله تبارك وتعالى والدار الآخرة، وهي عبادة قلبية شريفة. قال أبو الدرداء رضي الله عنه (تفكر ساعة خير من قيام ليلة) وقيل لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار نزهة الفضلاء(1/160) ووصف لسعيد بن المسيب رحمه الله عبادة قوم أنهم يصلون بعد الظهر إلى العصر، فقال: أما والله ماهي بعبادة، إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله (نزهة الفضلاء 1/376). وعن يوسف بن أسباط قال: قال لي سفيان بعد العشاء ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده فبقي مفكرا، ونمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي، فقلت: هذا الفجر قد طلع، فقال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أفكر في الآخرة حتى الساعة (المصدر السابق 1/584).
تاسعا، روحانية القلب هي الدافع والمحرك لأعمال الجوارح: فكلما عظم الإيمان والتوحيد ومحبة الله في القلب كان ذلك دافعا الجوارح للعبادة فقد قال عتبه الغلام: من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه (نزهة الفضلاء1/ 564) وهذا أمر مشاهد معلوم لا حاجة لسوق الأدلة على إثباته، إذ يجد المرء من نفسه أنه إذا صلح قلبه اجتهد في الصلاة والصيام، وإذا فسد قلبه أو ضعف ضعفت عبادته، وكلت جوارحه.
../..